العلامة الأميني
319
النبي الأعظم من كتاب الغدير
ولو كان الخليفة ناصبا نفسه للتأديب فهل أدّب أمثال عبيد اللّه بن عمر ، والحكم بن أبي العاص ، ومروان بن الحكم ، والوليد بن عقبة ، وسعيد بن العاص ، ونظراءهم من رجال العيث والفساد المستحقّين للتأديب حينا بعد حين ، وهو كان يرنو إلى أعمالهم من كثب ؟ ! لكنّه لم يصدر منه إلّا إرضاؤهم وتوفير العطاء لهم والدفاع عنهم ، وتسليطهم على النفوس والأموال حتّى أوردوه مورد الهلكة . ولقد ادّخر تأديبه كلّه لصلحاء الأمّة مثل عمّار وأبي ذر وابن مسعود ومن حذا حذوهم ؛ فإلى اللّه المشتكى . وإنّك لو أمعنت النظرة في أعماله وأفعاله لتجدنّه لا يقيم وزنا لأيّ صالح من الأمّة ، ولقد ترقى ذلك أو تسافل حتّى إنّه جابه مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام غير مرّة بقوارص كلماته ، وممّا قال له ممّا مرّ « 1 » قوله : « أنت أحقّ بالنفي منه » . وقوله : « لئن بقيت لا أعدم طاغيا يتّخذك سلّما وعضدا وكهفا وملجأ » ؛ يريد بالطاغي أبا ذر وعمّار وأمثالهما ، ويجعل الإمام عليه السّلام سلّما وعضدا وكهفا وملجأ لمن سمّاهم الطغاة . كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ « 2 » . كأنّ الرجل لم يصاحب النبيّ الأعظم صلّى اللّه عليه وآله ، أو لم يع إلى ما هتف به من فضائل مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام من أوّل يومه آناء الليل وأطراف النهار في حلّه ومرتحله ، في ظعنه وإقامته ، عند أفراد من أصحابه أو في محتشد منهم ، ولدى الحوادث والوقائع ، وعند كلّ مناسبة ، وفي حروبه ومغازيه . وكأنّه لم يشهد بلاء مولانا الإمام عليه السّلام في مازق الاسلام الحرجة ، ولم يشهد كرّاته وقد فرّ أصحابه ، وتفانيه في سبيل الدعوة عند خذلان غيره ، واقتحامه المهالك لصالح الإسلام حيث ركنوا إلى دعة ، وتقهقر بهم الفرق ، وثبّطهم الخول « 3 » .
--> ( 1 ) - في ص 313 من كتابنا هذا . ( 2 ) - الكهف : 5 . ( 3 ) - [ لعلّه بمعنى التفرّق ، من : ذهب القوم أخول أخول ، إذا تفرّقوا شتّى ] .